ابن الحسن النباهي الأندلسي

79

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الأحدوثة عنه ، ويسأله دفع مملوكته إليه . فأنكر محمد ما زعمه اليهوديّ ، ولواه بحقّه ، فأعاد القاضي إليه الرسالة يقول له : « إنّ هذا اليهوديّ الضعيف لا يقدر أن يدّعي على الأمير بباطل ! وقد شهد عندي قوم من التجار ! فليأمر الأمير بإنصافه » فلجّ محمد ، ولجّ سليمان . فأرسل إليه سليمان ثانية ، يقسم باللّه العظيم لئن لم يصرف على اليهوديّ جاريته ، ليركبنّ دابّته من فوره ، ويكون طريقه إلى الأمير والده ، يعلمه الخبر ، ويستعفيه من قضائه . فلم يلتفت محمد إلى وصيّته . فشدّ سليمان على نفسه ، وركب دابّته سائرا إلى قرطبة ؛ وكانت طريقه على باب دار الإمارة ؛ فدخل الفتيان إلى محمد ؛ فعرّفوه بسيره . فأشفق من ذلك ، وأرسل خلفه فتى من ثقاته ، يقول له إن الجارية قد وجد خبرها عند بعض فتيانه ، وقد كان أخفاها بغير أمره ، وها هي حاضرة ، تردّ إلى اليهوديّ . فلحقه الرسول على ميل أو نحوه من ماردة « 1 » ، وأعلمه . فقال : « واللّه ! لا أنصرف من موضعي راجعا ، أو أوتي بالجارية إلى هذا المكان ، ويقبضها اليهوديّ هاهنا ! وإلّا مضيت لوجهي » فأرسل محمد الجارية إليه . فلمّا صارت بين يديه ، أرسل في اليهوديّ مولاها ، وفي ثقات من ثقات أهل البلد ، ودفعها إليه بمحضرهم . وأعجب الأمير محمدا ما كان منه ، واسترجحه واعتقد تفضيله . فلمّا ولي الخلافة ، واحتاج إلى قاض ، ولّاه وأعزّه . قال أسلم بن عبد العزيز : سمعت أخي هاشما يقول : إني لقاعد يوما بين يدي الأمير ، إذ دخل عليه فتاه بدرون الصّقلبيّ ( وكان أثيرا لديه ) باكيا . فقال له : « ما دهاك ؟ » فقال له : « يا مولاي » عرض لي الساعة مع القاضي ما لم يعرض لي مثله قطّ ! ولوددت أنّ الأرض انضمّت عليّ ولم أقف بين يديه » قال : « وما ذاك ؟ » قال : دست على امرأة تطالبني في دار في يدي ؛ فأغفل ما كنت إذ جاءتني بطابع القاضي ، وكنت أنت أمرتني بما تعلمه ؛ فاعتذرت إليها وقلت : أنا اليوم مشغول بشغل الأمير - أعزّه اللّه - وسأكتب إلى القاضي ، وأستعلم ما يريد . ثمّ إني أقبلت إلى القصر وقد أتيت باب القنطرة ؛ فإذا برسول من أعوان القاضي بادر إليّ ؛ فضرب على عاتقي ، وصرفني

--> ( 1 ) ماردة ، بالإسبانية Merida ، وهي مدينة بجوفيّ قرطبة منحرفة إلى المغرب قليلا . الروض المعطار ( ص 518 ) .